حين ينتصر النبل على الجراح: قراءة هادئة في واقعة الجمل
2026 / 10 / 23
13

سجلت واقعة الجمل (36 هـ) منعطفاً حرجاً في تاريخ الدولة الإسلامية المبكرة، بوصفها أول مواجهة عسكرية بين المسلمين، إذ التقى جيش الخليفة الشرعي ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، مع معسكر قاده صحابة بارزون هم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وبحضور السيدة عائشة.
تمثل جوهر الإشكال في خروج هذا الفريق على إمام وخليفة زمانه بعد انعقاد البيعة له في المدينة، المسؤول حصراً عن إقامة العدل وضبط الأمن، وهو ما أضعف وحدة القرار الإسلامي، وأسهم في تصعيد الأزمة بدل احتوائها.
فكان التوجه بقوة عسكرية من المدينة في الحجاز إلى البصرة جنوب العراق، تحت شعار المطالبة بالقصاص لدم الخليفة الثالث عثمان الذي اُغتيل من قبل مجهولين، في فتنة اختلط فيها المطالبين الخليفة بتحقيق العدل، مع السيئين من مثيري الفتنة.
في المقابل، برزت حكمة الإمام علي عليه السلام وتجرده من المشاعر الشخصية؛ إذ سعى جاهداً لتطويق النزاع ودرء الفتنة، فامتنع عن المبادرة بالقتال، وبعث الرسل للمناشدة وفتح أبواب الحوار، مؤكداً أولوية تثبيت الأمن وضبط مفاصل الدولة كشرط مسبق لتحقيق العدالة وملاحقة الجناة، وإصلاح ما فسد فيما سبق حكمه، وتطبيق شريعة الله كما أنزلها على نبيه صلى الله عليه وآله (بتصرف من تأريخ الطبري/ج4- ص444).
غير أن تعبئة الحشود وتداخل الأطراف المتنازعة جعلا احتواء الموقف متعذراً، فاندلعت الحرب وسقط فيها خلقٌ كثير من الصحابة، من بينهم طلحة والزبير.
وعقب حسم المعركة، واصل الإمام علي عليه السلام منهجه المسؤول والنبيل؛ فعفا عن المنهزمين، وأولى السيدة عائشة كل التقدير والاحترام الذي يليق بمكانتها كزوجة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فزارها مطمئناً عليها، وجهّزها بأحسن جهاز من مركب وزاد، وسير معها موكباً مهيباً من نساء البصرة وأشرافها، بقيادة أخيها محمد بن أبي بكر، ليودّعها بنفسه أميالاً خارج المدينة حتى عادت إلى دار هجرتها في المدينة المنورة كريمة مصونة، (بتصرف من الكامل في التاريخ/ ابن الأثير-ج 3: ص 262–263)، لتبقى سياسته درساً في سمو الأخلاق ورعاية الحرمات حتى في ذروة الخلاف، ولتظل الواقعة درساً تاريخياً موضوعياً يثبت أن السابقة في الصحبة والفضل، لا تمنع صاحبها من الوقوع في سوء تقدير الموقف، ما لم يتمسك بتعاليم الله ورسوله.